سيد محمد طنطاوي

293

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

المسلمين في غزوة أحد . كان في قدرتهم أن يوغلوا في مهاجمتهم وقتالهم إلا أن الرعب صدهم عن ذلك . ولقد حاولوا وهم في طريقهم إلى مكة أن يعودوا للقضاء على المسلمين إلا أن الخوف داخل قلوبهم وجعل أحد زعمائهم وهو صفوان بن أمية يقول لهم : « يا أهل مكة لا ترجعوا لقتال القوم ، فإني أرى أنه سيكون للقوم قتال غير الذي كان » . قال الفخر الرازي ما ملخصه قوله * ( سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ) * اختلفوا في أن هذا الوعد هل هو مختص بيوم أحد ، أو هو عام في جميع الأوقات ؟ قال كثير من المفسرين : إنه مختص بهذا اليوم ، وذلك لأن جميع الآيات المتقدمة إنما وردت في هذه الواقعة . ثم القائلون بهذا القول ذكروا في كيفية إلقاء الرعب في قلوب المشركين في هذا اليوم وجهين : الأول : أن الكفار لما استولوا على المسلمين وهزموهم أوقع اللَّه الرعب في قلوبهم ، فتركوهم وفروا منهم من غير سبب . . . والثاني : أن الكفار لما ذهبوا إلى مكة فلما كانوا في بعض الطريق قالوا ما صنعنا شيئا قتلنا الأكثرين منهم ثم تركناهم ونحن قاهرون . ارجعوا حتى نستأصلهم بالكلية ، فلما عزموا على ذلك ألقى اللَّه الرعب في قلوبهم . والقول الثاني : أن هذا الوعد غير مختص بيوم أحد ، بل هو عام ، كأنه قيل : إنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أحد ، إلا أن اللَّه - تعالى - سيلقى الرعب منكم بعد ذلك في قلوب الكافرين حتى يقهر الكفار ، ويظهر دينكم على سائر الأديان . وقد فعل اللَّه ذلك حتى صار دين الإسلام قاهرا لجميع الأديان والملل . ونظير هذه الآية قوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « نصرت بالرعب مسيرة شهر » « 1 » . ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان سوء عاقبة هؤلاء الكافرين فقال : * ( ومَأْواهُمُ النَّارُ وبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ) * . والمأوى : اسم مكان من أوى يأوى . وهو المكان الذي يرجع إليه الشخص ويعود إليه . والمثوى : اسم مكان - أيضا - يقال : ثوى بالمكان وفيه يثوى ثواء وثويا وأثوى به ، أي أطال الإقامة والنزول فيه .

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 32 .